تطوير ذات

اياك ان تستسلم ابداً

افضل مكافئة  ينالها المرء لقاء كده ليست هي ما يحصل عليه نظير هذا الكد  بل ما يصبح عليه بسببه .

 جون راسكين

كنت قد تخرجت حديثاً من الجامعة  بدأت حياتي المهنية كمعلم ومدرب في مدرسة سانت برنارد الثانوية وهي المدرسة ذاتها التي كنت ملتحقاً بها .

فمقارنة  بالمدارس المحيطة بنا ، كانت مدرستنا صغيرة حيث كانت تضم الفين  أو ثلاثة الآف  طالب.

وقد عملت في أول عام لي مساعد مدرب في فريقي كرة القدم وكرة السلة بمدرستنا وخلال فصل الربيع كنت مسؤولا عن برنامج سباقات المضمار.

وقد مررنا  بعام  غير اعتيادي فقد فاز فريق كرة القدم في عشر مباريات ، وانهى الموسم دون هزيمة تذكر ، وفاز فريق كرة السلة في أحدى وعشرين  مباراة ولم يخسر سوى  خمس  مباريات فقط وفزنا  ببطولة الاتحاد في كلتا  الرياضتين.

ولكوني  شاباً  صغيراً وساذجاً ،  لم أدرك القدر الحقيقي للاعبين  الاستثنائيين الذين كان لدينا في ذلك العام  .

فمع حلول الخريف  التالي كان هناك أربعة عشر طالباً من طلابنا  السابقين يلعبون كرة القدم بفرق الجامعات  أربعة منهم حصلوا على منح دراسية  كبيرة ،  و كان هناك اثنان آخران ينافسان  في رياضة العدو لصالح جامعات القسم الأول.

وطوال خمسة وعشرين  عاماً  من التدريب بعد ذلك لم اقابل مجموعة  اكثر موهبه منهم.

ولكن الطالب الذي ترك أعظم الاثر لدينا جميعاً  لم يكن واحداً من هؤلاء الشباب الواعدين فقد كان مختلفاً عنهم من الناحية البدنية كاختلاف الحمار عن الحصان الأصيل .

كان يدعي بوبي كولسون و سوف يبقى اثره بداخلي ما حييت.

كان بوبي  طالباً  في الصف الأول وهو اخ لـ “مارك كولسون ” نجمنا العداء في سباقات الميلين.

في بدايه الموسم استوقفني بوبي في مدخل المدرسة  كان طوله يبلغ 160 سم  ووزنه 175 رطلاً  ما جعله أشبه  بموديل لإحدى  الدمى  الإعلانية الشهيرة .

اخبرني بانه قد  فكر جدياً في الانضمام الى فريق العاب المضمار بمدرستنا، وأنه يؤمن بأنه قادر على تقديم إسهام مهم وأضاف  أنه لا يدري في أي المسابقات يمكنه مساعدتنا،  ولكنه واثق  بأن لديه شيئاً  ليقدمه ، وقد أبهرتني طريقة عرضه ثقته بنفسه.

وبالنظر الى  بنيته الجسدية كان الدورالمنطقي  الذي يصلح لـ بوبي هو دور رامي الثقل والذي يختص فيه اللاعب برمي الكرة الحديدية ورمي القرص ، غير أننا سرعان ما واجهنا عقبة .

فعلى الرغم من أن وزن بوبي  البالغ  175رطلاً  يعد وزناً  كبيراً بالنسبة لطالب في الصف الأول الثانوي فلم يكن لديه عضلات  ظاهرة ولم يكن عاجزاً عن رمي الكرة الحديدية وحسب بل كان غير قادر على التقاطها إلا بصعوبة.

توجه  بوبي معي بشجاعة الى ساحة رمي القرص.

ولما كان القرص أخف وزناً بكثير من الكرة الحديدية فقد بدأنا على الفور بداية جيدة دربته على كيفية الإمساك بالقرص بصورة صحيحة  وطريقة الاستعداد لإلقائه ،  وطريقة قذفه ، وبدأت الأمور تسير بصورة حسنة إلى حد كبير،  وبناء على توجيه مني،   كان بوبي يتخذ وضعية الرمي على نطاق واسع ، ويثني ركبتيه ، ويفرد أصابعه ويحرك ذراعه للخلف وللأمام ثلاث مرات ثم يطلقه.

أقصد أنه كان يتمكن من قذف القرص في معظم الأوقات  ، ولكنه كان ينسى ان يرميه كل بضع محاولات،  أو كان يجري الى خارج دائرة الرمي حاملاً القرص أمامه يده الصغيرة البدينة وكان في كل مرة يلقي فيها القرص،  يفرد شريط القياس بسرعة  ليرى إن كانت رميته قد حطمت الرقم القياسي البالغ 131 قدماً الذي سجله أحد الطلاب من الصفين الأول والثاني بالمدرسة.

ولم يبدُ عليه الضيق حين وجد أنه لايزال أمامه ما يزيد على 110 أقدام لتحطيم هذا الرقم.

وقررنا ان بوبي ربما يمكنه الحصول على نتائج أعظم من ذلك ، إذا أضاف أسلوب الدوران السريع إلى محاولاته في رمي القرص .

كنا نظل بعد نهاية الوقت الرسمي للتمرين لمراجعة حركة القدمين المطلوبة  عشرات المرات بل انني رسمت له مواضع القدمين على الدائرة لأريه أين يضع قدميه بالضبط .

وكان بوبي مثابراُ بصورة مذهلة وقابلاً  للتدريب والتوجيه بصورة بالغة وبدأت أتمنى لو أن كل لاعبينا يشاركونه التوجه نفسه .

وجاءت لحظة تجريب الأسلوب الجديد ، وقد كان مشهداً يستحق المشاهدة ، فما أن  شرع  بوبي في الدوران السريع بدا كجهاز طرد مركزي بشرى يوشك على الانفجار،  وكان لا يزال يدور عندما طارالقرص  من يده وسقط  على بعد سبع وعشرين قدماً في الاتجاه المقابل للمكان المقصود .

وبعد أن تمكنت من إيقاف بوبي عن الدوران ، ظل يترنح لبضع دقائق كجاموس الماء الجريح وبدا كما لو كان سيتقيأ  ثم هرول لقياس آخر محاولاته ، ومن  هنا عرفت  أنها بلغت سبعاً وعشرين قدماً بالضبط .

شعر بوبي بتحفيز كبير للغاية من جراء هذه النتيجة  ولكن لم أكن أعتقد أن الموسم سيكفي ليصل بأسلوبه إلى النقطة  التي لا نخاطر فيها بحياتنا وحياته .

وبعد قليل من الحديث الرقيق من جانبي أقر بوبي بان علينا انتظار مسابقة أخرى .

وبدت مسابقه الوثب الطويل  ممكنة بالنسبة له ولكن المشكلة الوحيدة هي أن بوبي  لم يكن ينجح في الوصول من لوح  الانطلاق الى حفرة الرمل المعدة  للهبوط .

وسرعان ما استبعدنا من تفكيرنا  مسابقات القفز بالزانة ، والقفز العالي ، وقفز الحواجز ، والقفز الثلاثي، ولم يكن  بوبي يتمتع بمزيد من السرعة في قدميه ، لذا نحينا  ايضاً  رياضة العدو القصير والتناوب وعندما أنهينا الجلسة  كنت متحيراً بشأن ما يمكنني اقتراحه لتدريب اليوم التالي.

اتخذ بوبي قراره  دون الرجوع الي مثلما تبين لي ، وفي صباح اليوم التالي أبلغني بانه سوف يصبح عدّاء في مسابقات الميلين مثل أخيه مارك كنت  أعلم ان بوبي يعشق مارك الذي لم يكن عدّاء بارزاً وحسب بل كان شخصاً  رائعاً  و قائد فريق ايضاً .

اثار حماس بوبي إعجابي ولكني تساءلت في نفسي إن كان اختيار سباق الميلين اختياراً صحيحاً و لكن بوبي كانت لديه عزيمة  وظل طوال الأسبوعين التاليين  يكافح خلال تدريباته بألم وشجاعة.

كان أول لقاء رياضي لنا  ثلاثياً بين مدرسه سانت بازل ونوتر دام  ومدرستنا وفي تلك الأيام كان سباق الميلين هو أول منافسة من منافسات الجري في كل لقاء رياضي ونظراً لطول المنافسة كان طلاب الصف الأول والثاني والمنتخبات الممثلة للجامعات يقومون بالجري في الوقت ذاته وكان  العدّاءون  الأصغر عمراً يرتدون قمصانهم مقلوبة ليعّرفوا الناس بمستواهم وبدأت كل منافسات ألعاب المضمار في الوقت ذاته كذلك.

وبدأنا سباق الميلين وبالنسبة لمستوى فرق المنتخبات كنا على وشك إنهاء الدورة الاولى والثالثة  وقد بدأ مارك كولسون موسماً بارزاً اخر بتسجيله رقماً  قياسياً جديداً .

وجاء دور بوبي وكان لدى كل فريق عدّاء أو عدّاءان بطيئان من الصف الأول والثاني ولكنهم يعتبرون سريعين مقارنه بـ  بوبي وفي الوقت الذي أنهى  فيه كل العدائين الاخرين دوراتهم  كانت لا تزال أمام بوبي ثلاث دورات .

وقام الفريق المضيف بوضع الحواجز في  حلبة السباق استعداداً  للمسابفة التالية ، فصحت فيهم ان يتركوا الحارة الأولى دون حواجز  لكي  يتمكن بوبي من إنهاء السباق .

عندما أنهى بوبي  أول دورة من الدورات المتبقيه له رأيت الدموع على وجنتيه  لم أكن أدرك ما حدث ، ولكن العديد  من الأولاد بالفرق الاخرى بدأوا في  منا بزته  بالألقاب والسخرية منه.

وكان ” بات ليندن ” لاعب القفز العالي بفريقنا وحده من يدري بما حدث ،  فترك ساحة القفز العالي ووقف عند المنحنى البعيد بالطريق ليهتف بكلمات التشجيع لبوبي.

وفي تلك الأثناء استمر اللاعبون الاخرون في التهكم على بوبي  وظلوا يصيحون فيه لكي يخرج من حلبة السباق .

كان بوبي يبكي بصورة  أكثر وضوحاً الان ، ولكنه استمر في  العدو . وقد لاحظ  بعض أعضاء منتخبنا غياب ” بات ” فذهبوا ينضموا إليه في حث بوبي على الاستمرار .

وخلال  سنواتي العديدة  التي قضيتها في التدريب من ذلك الحين شاهدت افضل العدائين يخرجون من الحلبة  حينما يدركون أنهم لن يتمكنوا  من الفوز  بأحد السباقات وعادة ما يكون ذلك  لإصابتهم بقطع في الاوتار أو شيء من هذا القبيل ، غير أنني غالبأً ما اعتقد ان الجرح الذي يصيبهم هو جرح روحي  اكثر منه جسدياً.

أما بوبي فكان على النقيض من ذلك فهو  لم يفكر في ترك سباق الميلين هذا ابداً  رغم  كونه  منهكاً بالنسبة له كما تبين . فحينما بدأ لم يكن الانسحاب من بين خياراته التي وضعها في ذهنه .

بعد أن أنهى بوبي السباق أخذ ينقل من مسابقة إلى مسابقة ليشجع زملاءه في الفريق . وعندما حصل أحد لاعبينا على المركز الأول كان بوبي أشد فرحاً من الفائز .

بعد مرور بضعة أيام حضرنا سباقنا الثلاثي الثاني وكان مع مدرسة سباق هولي كروس  ومدرسة سانت بريك كانت سيناريو هذا السباق هو نفسه سيناريو سباق الميلين السابق . فيما عدا أن كل لاعبينا هذه المرة تركوا أماكنهم الخاصة ليحثوا بوبي على الاستمرار .

تخيل أن كل أعضاء الفريق قد اصطفوا حول حلبة السباق وهم يصفقون ويهتفون لـ بوبي فيما كانت الدموع تسيل على وجهه – كان مشهداً مؤثراً حقاً – .

وبحلول سباقنا الثلاثي الثالث في مدرسة بيرجون الثانوية كان صيت بوبي قد ذاع ولم يكن أعضاء فريقنا وحدهم هم من يقفون لتشجيعه في هذه المرة . بل كان اعضاء كل الفرق الأخرى هناك أيضاً ينتشرون على طول الطريق والمنحنيات .

وبنهاية الموسم اشترى أعضاء المنتخب ميدالية كبيرة من أجل بوبي كُتب عليها ” إلى بوبي كولسون” أشجع عداء لدينا ، من فريق ألعاب المضمار بمدرسة سانت برنارد 1968 .

لقد كان بوبي محقاً عندما أخبرني بأنه يشعر أن باستطاعته تقديم إسهام مهم لفريق ألعاب المضمار الخاص بنا ، فقد انضم إلى فريق جيد وجعل منه عائلة عظيمة وقد ساعدنا هذا المثال الذي ضربه لنا في إدراك أن الموهبة منحة من الله ويجب أن نشكره عليها ، أما الغرور فهو نابع من ذاتنا ويجب أن نحذر منه .

ولم نكتشف ما بـ بوبي كولسون إلا في نهاية ذلك الصيف فقد كان مصاباً بنوع نادر من سرطان الدم وقد توفي في الخريف التالي .

بوب هوبينستيت

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق