تطوير ذات

حنيناً أيها المهاجر

قصص واقعية من الحياة مؤثرة

حنيناً أيها المهاجر ” قصة واقعية “

المكان في الوسط الأوروبي حيت ” برا غ ” عاصمة الجمهورية التشيكية

بدا لي شاحبا مذ رأيته أول مرة.. لا أعلم ما الذي جذبني إلى محياه ..  ريما نظراته الشاردة وقامته النحيلة . و ربما لهجته العراقية الصافية عند ترحيبه بنا بعد قدومنا من المطار.. لست أدري بالضبط .

بعد وصولنا إلى مطار العاصمة ” براغ ” ومع دخولنا إلى المركز الإسلامي الوحيد فيها ، التقينا بعدد من الطلاب و المقيمين العرب في هذه المدينة والذين قدموا إلى المركز الإسلامي للمشاركة في البرامج الثقافية التي أعدتها إحدى المؤسسات الدعوية للجالية العربية المتواجدة بهذه الدولة. . وكنت مع اثنين من الأصدقاء المكلفين بإعداد هذه البرامج .

تملكنا شعو ر بالمودة والأخوة الصادقة من حرارة الترحيب الذي لمسناه من المشاركين أثناء سلامنا عليهم.. أحسسنا بالوشائج الغليظة التي تربط أرواحنا وإن تباعدت بنا الديار .. كانوا في حدود الثلاثين أو أكثر قليلا من جنسيات  مختلفة .. من هيئاتهم بدا واضحا أن الفقر صديق  حميم لأكثرهم.

سألت أحدهم :

ما اسم ذاك الشاب؟

لم اسمع اسمه جيدا أثناء سلامي عليه .

  • تقصد عدنان ؟
  • اسمه عدنان إذن هو عراقي أليس كذلك؟

نعم ، ثم أردف : في الجمهو رية التشيكية يعيش كثير من العراقيين، غالبهم من الطلاب الذين أكملوا دراستهم هنا ثم لم يعودوا إلى العراق وحتى أكون أكثر دقة هم لا يستطيعون العودة إلى العراق طبعا أنت لست بحاجة إلي أن أذكر لك السبب

أظن ذلك .

أثناء قيامنا بطرح البرامج الثقافية في الفترات المخصصة لها كانت الحيوية والتفاعل من قبل المشاركين سمة واضحة جدا. يبدو أن هذه البرامج تعد لدى أكثرهم أشبه بالإجازة أو النزهة التي يقطعون بها رتابة أعمالهم اليومية الشاقة، ويتنفسون فيها الصعداء مع بقية المشاركين إضافة إلى كونها تعبق بروح الشرق، وتملا صدو رهم بنسائم الأجواء العربية، بعدما سئم أكثرهم الحياة في مجتمعات الغرب بعيدا عن أهلهم وديارهم.

لم نكن نتصو ر أن علاقة حميمية ستنشا مع غالب المشاركين في نشاطات المركز خلال الأيام القلائل التي قضيناها في “براغ”.

وبخاصة تلك الأحاديث الليلية التي كانت تجري يوميا على قرع أكواب الشا ي مع غالب الحضور الذين كانوا ينامون تلك الليالي في أماكن لهم داخل المركز .

كنا – نتحدث عن كل شيء . . العالم العربي قضية فلسطين. منظمة التحرير. السلام. الحرب. العمل الإسلامي في الغرب.. ترتفع أصواتنا أحيانا وتخبوا أحيانا أخرى.. وتمضي الساعات دون أن يشعر أحد.

لا أعلم لم كنت أتعمد مراقبة عدنان طوال

شروده الدائم والحزن الذي تطفح تلك الفترات . .. شروده الدائم والحزن الذي تطفح به قسمات وجهه وامتناعه عن المشاركة مع البقية الحديث ريما كانت السبب.

في إحدى الجلسات الليلية اقتربت ممن بجانبي وقلت له :

ما بال عدنان …يبدو شارداً وحزيناً طيلة –  الوقت.. هل أصابه مكروه ؟

– عدنان عاطفي جدا . ثم أردف بضحكة وقال يبدو أنه بدأ يحنّ  إلى وطنه ..

ألا يستطيع العودة؟

كلا …  وبعد لحظة صمت أضاف : عدنان أحد ضحايا السياسة.. كان على وشك إنهاء د راسة الماجستير في هندسة الطيران. إذ بحرب الخليج تبتدئ .. طلبت منه حكو مته الإسراع بالرجوع.. وكان يعني ذلك قطع دراسته بعد أريع سنين من الدراسة والتعب ، ولم يكن قد تبقى له على إنهائها سوى أشهر قليلة.. كان يعرف أن الرجوع يعني قطع دراسته دون أن يحصل على الشهادة.. لذا قرر البقاء وإكمال دراسته.. كان يظن أن بإمكانه الرجوع متى انتهى منها.. ولكن أخبار من عادوا متأخرين كانت قد وصلت إليه.. فلم يكن أمامه سوى البقاء .

وماذا يعمل الآن ؟

– يعمل بائعا في معرض صغير لبيع الكرستال يملكه أحد العرب بأجر لا يكاد يكفيه لآخر الشهر.

لذلك يبدو هذا البؤس على وجهه.

قال وهو يبتسم…  لا تحزن كثيرا فنصف الذين تراهم أمامك بمثل حاله وخصوصا العراقيين ..

أيعقل ذلك .

يمكنك أن تتأكد بنفسك .

لم أكن أتصو ر أن ذلك الأح كان يعني بدقة ما يقول. . نصف هؤلاء.. أيمكن أن يحمل نصف هؤلاء نفس المصير.. الحياة في المنفى . كيف لم نشعر بذلك..

تعسا لإنسانيتنا الكسيحة التي ما عرفت إلا مجتمع الرفاه والبذخ .

بدأت أحاول التقرب من عدنان. . أحادثه قليلاً ..  واستمع بإنصات لما يقول على قلة حديثه . في صوته نبرة حزن واضحة. . لحن جنائزي ..  ريما كان كذلك.. لست أدري بالضبط.

ذات ليلة.. وبعد أن فرغنا من النشاطات المخصصة لذلك اليوم.. وبعد وجبة العشاء . رأيته جالسا لوحده في إحدى زوايا صالة

المحاضرات يحتسي كوبا من الشاي.. اقتربت منه وقلت له : – الجو رائق هذه الليلة .  ما رأيك أن نسير على أقدامنا  في الخارج قليلاً ؟

نهض معي دلالة استجابته لذلك . خرجنا من المركز والساعة تشير إلى الثانية عشر ليلا. ونسائم الهواء الباردة تنعش أجسادنا المتعبة .

اتجهنا إلى طريق طويل بجوار سور مرتفع في شارع هادئ إلا من صوت سيارة عابرة كل بضع دقائق. وأخذنا نسير .

عدنان بدا صامتا كعادته وظلال من الشرود تلوح في عينيه .. لم أكن أعلم فيم يفكر حاولت أن أبدا بالحديث وأن أثير كوامنه قلت له :

عدنان .. الحظ في عينيك أشجاناً غائرة وكآبة لا أجد جهداً في رؤيتها على محياك فلم كل ذلك؟

أعلم حيدا سماكة الحزن الذي يثقل كاهلك أنت تحرق نفسك .. هل تشعر بذلك ؟

أجاب بعد لحطات من الصمت  .. ماذا تريدني أن أفعل .. أن أضحك بملء فمي على مرارات الحياة .. على صدى الحرمان في داخل أحشائي .. لا أستطيع .. صدقني لا أستطيع .

صمت قليلاً ثم قال :

أتعرف أسعد ؟

نعم أعرفه .  رأيته في المركز وقت صلاة الجمعة.. هو عراقي أيضا. أليس كذلك؟

– نعم أسعد يحمل شهادة الدكتوراه في أصعب فروع الهندسة الميكانيكية أتدري ماذا يعمل في “براغ ” يعمل صرافاً في سوق قديم وبالكاد يجني مايجعله يعيش الكفاف .. وجمال أظنك تعرفه ايضاً ..  يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية ويعمل هو الأخر في بقالة صغيرة قام بإنشائها لبيع المأكولات العربية.. هل تريد أن أذكر لك نماذج أخرى .

– لا يكفي أرجوك،. أعتذر إذ أزعجتك.. يبدو أن لغتنا الخشبية بانت كمبضع جراح توغل في اللحم الحي دون أن تشعر.

– يا أخي وبماذا ازعجتني. وهل ذكرت لك إلا ما كان حاضرا في ذهني تسع سنين. التفت إلي فجأة وفال وملامح ابتسامة

كادت أن تفلت من شفتيه ..

تسع سنين … اليست طويلة…  ألا تكفي لأن تستجلب الكأبة من أغوارنا السحيقة ..

آه .. لو نعلم يا أخي كم أشتاق إلى الوطن .. إلى دباري ودياركم .. كنت أتمنى أن أحصل على أي عمل في  بلا عرببة هناك عمق الوطن.. ريج الأهل والأصحاب ..  الغربة هنا حارقة . . لاهبة. . تكوي أرواحنا بجمودها وصلفها.

– ولم لا تتزوج ؟

– وبماذا أتزوج؟

وأردف بعد قليل: أتعرف . .

أثناء زيا رتي الأخيرة إلى العراق كنت على وشك الزواج بابنة عمي.. قررت فقط أن أنتظر بضعة أشهر أنهي فيها دراستي في “براغ” وأعود إلى الوطن ليتم الزفاف.. ولكنني كما ترى لم أعد. . وعندما علم عمي بصعوبة عودتي إلى الوطن زوج ابنته على الفور ولم ينتظر طويلاً.

صوت عدنان بدا غائراً ، متعثراً ، ومحملا بأطنان من الحزن وهو يقول :

كم هي مسكينة . . زُوجت رغماً عنها  ولكنها اليوم أم لثلاثة أطفال. . أتمنى لها السعادة من كل قلبي.. هي طيبة القلب جدا.. ترى على محياها الوداعة والبراءة العذبة.. كأنها تحيا خارج زماننا الرديء. . كنت أحبها كثيرا. . أذكر جيداً  عندما أتاني خبر زواجها.. كان ذلك بعد شهو ر من إنهاء دراستي هنا. . عندما سمعت بالخبر كدت أفقد صوابي . .

إنتابني شعور بالانفجار.. بالضياع.. بالحزن يحفر في قلبي أودية وأخاديد.. بالكره لكل العالم.. أخذت إجازة طويلة من المعرض الذي أعمل به. . واعتزلت في غرفتي.. كنت أ بكي كل ليلة.. ولم أخرج من غرفتي أسبوعين متواصلين.. اجتاحني إحساس بالنهاية.. لا قيمة لأي شيء. . لم أكن أجد راحتي إلا في الصلاة. . عندما أرفع يداي إلى ربي وأدعوه باكياً أن يفرغ عليّ الصبر ويزيح عني الهم  والحزن. لم يفارقني خيالها عام كامل لم أكن استطيع أن أنترع صورتها من مخيلتي .. أعلم أنها أصبحت لغيري.. ولكن طيفها لا زال ملكي أدعوه متى أشاء.

سُحقاً للحب.. أو يفعل كل هذا ؟

أأه يا أخي… وتدعونا بعد ذلك أن نزيح الكأبة من على وجوهنا .

لم أشأ أن أواصل حفرياتي في أعماقه الدفينة.. فلذت بالصمت . أخذنا نواصل السير دون هدف. . رذاذ المطر بدأ يلامس رؤوسنا العارية .. والهواء  البارد يجتاح أجسادنا المنهكة من طول المسير . كان الجو رائعاً.

بعد قليل من الصمت أخذت أشدو بصوت خفيض يسمعه عدنان بوضوح

العراق..  العراق .. العراق

طِبت يا مطر المناحة والمجاعة والأذى

والنفي والموت اللذيذ

وعلى امتداد جراحهم

يندى المدى

لا خير في البلد الردى

لا خير في البلد الردى

أه ما أروع الوطن المتجسد منهم جميعا

فيه رُوح العراق

و رَوح العراق

وبوح العراق

فيه عرق العراقي

ينزف … ينزف … ينزف

خوفاً وجوعاً

وقلباً هلوعاً

وحقداً  ستحمر منه السفوح

فحتى متى سيدوم النزيف ..؟

عدنان كان يستمع إلي وعلى وجهه بدت كل عذابات الأرض . . وعيناه تسبحان في ألق

الماضي البعيد . . إلى حيث لا أدري .. عندما عدنا إلى المركز كانت الساعة تشير إلى الثالثة ليلاً وقد أعيانا التعب من السير

المتواصل .. الكل في المركز قد غط في نوم عميق.

ذهبنا إلى وسائدنا كي ندرك ما تبقى من لحظات قبل صلاة الفجر.. غرقت في فراشي أطلب الدفء

بعد لفح البرد والمطر.. أغمضت عيني وأنا أتساءل : هل سيجد النوم طريقه هذه الليلة إلى عيني

عدنان ..

تلك الليلة كانت أخر ليالي في العاصمة “براغ” وعند الظهر كنا على موعد مع الطائرة التي

ستقلنا إلى الرياض بعد أن نقضي عدة ساعات في العاصمة الرومانية “بوخارست”

وبعد أن أنهينا في صباح ذلك اليوم كامل المتعلقات، وسلمنا على المشاركين معنا في نشاطات

المركز، اتجهنا إلى المطار وعند وصولنا أخذنا في إتمام إجراءات الحجز وركوب الطائرة وبعد فراغنا منها وبالقرب من المدخل المؤدي إلى الصالة الداخلية فوجئت بعدنان قد أتى مسرعا لتوديعنا خفقان في قلبي عندما رأيته ،  سلم على رفاقي بحرارة. وعندما أتى دوري شد بيده على يدي .. أحسست بحرارة جسده تنتقل إلى بدع يدي  الباردتين ..

قال لي وقد بدت على شفتيه ابتسامة واسعة هي الأولى التي أراها على محياه.

– سلم لي على أ هل تلك الديار.. قل لهم أننا اشتقنا إليهم .

اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء . . غالبت نفسي وضممت عدنان بشدة وأنا أقول له : أعادك الله إلى أهلك وديارك .

في الرياض.. عندما عدت إلى المنزل

أقفلت على نفسي باب غرفتي وفتحت جهاز الحاسب.. كتبت لعدنان رسالة وبعثتها له بالبريد الالكتروني ..

أيها المهاجر

أو أسراب الطيو ر المهاجرة هي وحدها التي تحظى بالعودة إلى الديار .. أم أن لسواها أن يحظى بذلك أيضاً ..

أشفق على قلبك المسكين من أن يكون كلأً لنار الغربة والضياع .. وأنت تعيش كشيخ صوفي جسده في عالم وروحه في آخر. فهل تنقضي حياتك على ذلك ؟

يا لعذابات المحروم في داخل أحشائك اليافعة أو تُبقي فيك نبض حياة للمستقبل ؟

عدنان …

وجهك الشاحب لم يفارق مخيلتي مذ عدت إلى الوطن

قصتك هزتني من الأعماق. أتدري لماذا ؟

لآني شعرت بقلبك النابض فوق سعير المرارة تلتهم بقاياه.. وأنا أرقب ذلك المشهد بخشوع ووقار بائس.

ثم لا أملك أن أصنع لك شيئا سوى ذلك .

أشكرك إذ علمتني الحرمان يشخص أمامي في قامتك النحيلة … قبل ذلك لم أكن أعرف منه إلا رسم الحروف حكايات بين

ثنايا ورق نقرأها كي تساعدنا على النوم. . ليس إلا ..

أعدت إلي عبق الإنسانية الضائعة بين ضجيج الحضارة وصخب الحياة ..

أشكرك عدنان ..

                                                                                                                      بقلم نواف القديمي صيف 1999

 

Sent from Yahoo Mail for iPhone

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق