تطوير ذات

قصة مؤثرة عن الرفق بالحيوان

هكذا يكون الرفق بالحيوانات بوابتك إلى الجنة أو النار

هكذا يكون الرفق بالحيوانات بوابتك إلى الجنة أو النار

إن عالم الحيوان كعالم الإنسان له خصائصة وطبائعة وله حق الرفق به ، بل إن الرحمة قد تُدخل صاحبها الجنة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم  في قصة الرجل الذي سقى كلباً ، “بينما رجل يمشي بطريق إذِ اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى منَ العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب منَ العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئرَ فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفِيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله تعالى له، فغَفَرَ له”، قالوا: يا رسول الله: وإنَّ لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: “في كل ذات كبدٍ رطبة”.

وكما أن القسوة على الحيوان تُدخل النار كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : “دخلتِ امرأةٌ النارَ في هرَّة، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل مِن خشاش الأرض ” 

وفي قصتنا اليوم عن الرفق بالحيوان والأثر العجيب الذي تحصل عليه صاحبة القصة من هذا الرفق يُثبت مدى قوة الإحسان والرحمة ” والراحمون يرحمهم الرحمن ” سبحانه عزوجل ….

منذ عامين، مررت بأطول يوم عشته في حياتي داخل حجرة للفحص الطبي بلا نوافذ، في انتظار نتائج فحص عينة حية من الأنسجة. وأخيرا ساق الطبيب الأخبار إلي: لقد أصبت بسرطان الخلايا الحرشفية المنتشر في العنق، وأخبرنى بصراحة بأنه لا يمكنني أن أتوقع البقاء طويلا على قيد الحياة.

قدت سيارتي عائدة إلى المنزل تتملكني حالة ذهول، وجعلت أتقيأ طوال الليل. فأخذت أدعو الله بشكل متواصل ومستميت أن يمدني خلال الشهور الأولى القليلة بأي شيء، وكل شيء، من شأنه أن يساعدني على التشبث بحياتي، لكن كل ما كان يخطر ببالي هو كلبتي القديمة “كيشا”.

كنت قد اشتريت “كيشا”، قبل عشرين عاما، كجرو صغير مقابل خمسة  دولارات. كانت خليطا من الجيرمن شيبرد وآلاسكان مالاموت – و الكلاب في النسل. وكانت بوجهها علامات سوداء وصفراء وأذن واحدة لا تكاد تستقيم أبدا.

كانت “كيشا” ذات جمال مبهر عندما كبرت ، وكانت تصرفاتها مهذبة للغاية حتى إنني كنت أستمتع باصطحابها معي في أي مكان بكل فخر كانت  تنام بجواري في رحلات التخييم، وهي من علمتني لعبة “رمي العصا” لكي نأتي بها. وحينما كنت أبكي، كانت تلعق وجهي.

كانت رفيقي الدائم خلال أواخر فترة المراهقة وبداية العشرينيات من عمري، وعندما تقلدت منصب معلمة بإحدى جمعيات

“جمعية حقوق  الإنسان المحلية” .

أصبحت أنا وهي معلمين مشتركين. فعلى مدى أربعة أعوام، كنا نزور الفصول الدراسية والشركات، وأعلم الناس كيف يتجنبون عضة الكلاب المؤذية. وكانت “كيشا” تتمتع بنزعة مسرحية؛ فكانت تكشر عن أنيابها وتصدر زمجرات تشيب لها الرءوس عندما يطلب منها ذلك، وكانت تؤدي مثات العروض المقنعة كأكثر الحيوانات شراسة على وجه الأرض. وكان الأطفال يحبونها – وخاصة قبلاتها اللطيفة التي كانت ترسلها مع نهاية كل عرض.

وذات يوم تغير كل شيء: فقد سعلت “كيشا” دما، وعلمت بعدها بمجرد ساعات أنها مصابة بمرض السرطان، غير أنها أصرت على الذهاب معي إلى جمعية حقوق الإنسان.

ظهرت أعراض سرطان “كيشا” في صورة قرحة سريعة النمو بالفم، تطورت فيما بعد لتصل إلى الحلق. ورغم ذلك كانت تواجه شعورها بالانزعاج أثناء تناول الوجبات بالصبر، وتعلمت تناول لقيمات أصغر حجما وبصورة أبطأ، ومع ذلك لم تفقد شهيتها للطعام مطلقا؛ ففي اللحظة التي كان طبقها يخلو فيها من الطعام، كانت عيناها تلمعان وذيلها يرتفع كالراية، وكانت كل وجبة تقدم لها تقابل بالترحاب كما لو كانت الأفضل على الإطلاق.

تذكرت توجه “كيشا” نحو تناول الوجبات بعد أن أسفرت أول جراحة لعلاج السرطا ن.  عن قصر في لساني: فكان لساني منتفخا للغاية، وكان تناول الطعام أمراً محالاً ، شأنه شأن الكلام تماماً .

لم يكن متبقيا على قدوم العيد سوى عشرة أيام، فاتخذت من” كيشا ” ملهما لي، واستعددت للاحتفال بالعيد بكريمة القمح والبطاطس المهروسة، واستطعت نوما ما أن أبتلع لحم الديك الرومي والفطائر أثناء تلك العطلة تلك الوجبة التى لا تزال تمثل لي أفضل وجبة تذوقتها في حياتي.

واصلت التعايش مع المرض من خلال مبدأ العيش الإيجابي لحظة  بلحظة، ولم تكن تلك مهمة بسيطة بالنسبة لي، وتذكرت “كيشا” ثانية؛ فقد ظلت تمضغ العظام، وهي في أشد مراحل مرضها، وتستمتع بنزهاتنا يين المستنقعات، وتنبح على الطيور، وتتقلب في برك الطين التي يخلفها المطر. ورغم أن المرض أبطأ من حركاتها وقصر من أنفاسها، فقد ظلت روحها  المعنوية عالية ، كانت تسير ببطء وراء كل أثر بابتسامتها العريضة المهذبة، وترفع ذيلها عاليا – كانت حياتها تتكشف أمامها في كل خطوة تخطوها.

وبعد مرور عام من إصابتي بمرض السرطان، أخذت مني عينة أخرى للفحص. وتحولت من كانت تقول “العصى والحجارة سوف تكسر عظامي، لكن الكلمات لن تؤذيني أبدا” إلى شخص لم يقو على الانتظار ثلاثة أيام حتى تظهر نتائج الفحص. بدأت أخرج بالتدريج من عيادة الطبيب لأقضي عطلة ما قبل رأس السنة، عازمة على أن أقدر قيمة كل لحظة أعيشها؛ فاشتريت

رداءً لامعا من أجل حضور حفل رأس السنة الذي يقيمه مكتبي، وحددت موعدا لقضاء يوم في إعداد الزينة مع أقرب أصدقائي، واستمتعت بر ائحة أشجار رأس السنة ورائحة  الفيشار في المراكز التجارية. وأخيرا جاء يوم الاثنين وجاءت نتائج الفحص سلبية – غير أن أزمة أخرى كانت بانتظاري.

لقد قضيت عامين من عمري أتعامل مع ما أصبحت عليه الان في مقابل ما كنت عليه قبل إجراء العمليات الجراحية؛ فقد فقدت بعض اعضاء جسدي حيث أصبح لساني قصيرا، وأزيلت عضلات كبيرة متعددة من رقبتي وكتفي. لذا أصبحت عاجزة عن تحريك رأسي بسهولة أو النظر لأعلى. وقد تسبب العلاج الإشعاعي في إصابة مفصل الفك ببعض الالتهابات، غير أن الأسوأ

من ذلك هو أن الإشعاع دمر الغدد اللعابية أيضا، مما تسبب لي في “فم جاف” إلى الأبد.

وهنا أيضا كان أسلوب “كيشا” في التعامل مع جسدها المعيب في منتهى الروعة والإلهام – لقد تكيفت على الوضع. فعندما تسببت الأورام الخبيثة في استحالة الجري عبر مساراتها المفضلة، بدت قنوعة بمجرد المشي عرجاً وشم رائحة التراب بينما تسير بسرعة أبطأ. وعندما أصحت عاجزة عن المشي أعلى التل المتواج أمام منزلنا، كانت تترك نفسها تحمل إلى البيت.

وعندما أصبحت السباحة أمرا شاقا للغاية بالنسبة لها، كانت ترقد في الماء ونزمجر في وجه الأمواج، وتنبح بصوت عالٍ.

وفي خضم جهودي لمداواة حياتي، تعلمت أ نني بمواجهة حقيقة الموت ونقبلها، أستطيع أن أحرر طاقة شافية قوية تختبئ بين طيات خوفي  من الموت ، وأثناء تلك العملية، غالبا ما تأخذني ذكرياتي إلى آخر يوم ل”كيشا” معي .

ذات يوم منذ عدة سنوات مضت، اصطحبتها إلى مكتبي بجمعية حقوق الإنسان؛ حيث قضت عدة أيام نائمة تحت مكتبي خلال فترات ما بعد الظهيرة.

كما سارت بجانبي على ساقيها المترنحتين، فيما كان تنفسها غير منتظم. لا بمكن لأحد أن يقنعني بأن الحيوان لا يدرك ماهية الموت. مدت “كيشا” راحة قدمها لتلامسني، وكانت يدي ترتعد بينما أدخل الإبرة وأفرغ الحقنة. لقد مانت في هدوء، وهي مستندة إلى كتفي، لتدخل بلا خوف في أكبر لغز على الإطلاق.

كيف لي أن أعير عن شعوري حين فقدتها؟ لقد كان شعورا تعجز الكلمات عن وصفه، لقد كانت صديقتي ومعلمتي. لقد عاشت حياتها في هيبة لا يمكن أن أدعيها إلا في أفضل أيام حياتي. وقد حزنت لفراقها كحزني لفراق أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة فيما بعد. ووسط الدموع والدعوات، نثرت رمادها على الأرض السبخة حيث كنا نتنزه كثيرا.

لقد تعافيت من مرض السرطان منذ عامين، وتلك معجزة من نوعها بالنسبة لحالتي، وأنا الآن أحتفل من كل قلبي. ويخبرني

الأطباء حاليا بأنه بإمكاني أن أتوقع حياة كاملة إذا استمرت الأمور في هذا الاتجاه الإيجابي – وأعلم- أنه سيحدث.

وعندما ألقى الله في النهاية، سأعبر له عن خالص شكري وامنناني لإستجابة دعواتي وللكائنات الجميلة التي تلعب لعبة الإمساك بالكرة.

سوزان ماك إيلروي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق