تطوير ذات

ماهي أفضل نصيحة حصلت عليها ؟

الشجاعة هي مقاومة الخوف والسيطرة عليه وليس منعه

كنت أخبر نفسي بأن الحياة لا تتعلق سوى بالكمال ، والشعور بالامتنان الشديد لأن القدر كان محسناً جداً إليّ. والحق أنني كنت بالفعل أجلس متربعاً على قمة هذا العالم ، فقد كنت نجماً لأحد الأعمال المسرحية الغنائية الناجحة والذي ظل يعرض على مسرح باريس لمدة عام ، ووقعت على عقود للعمل في أربعة أفلام سينمائية بأحد الأستوديوهات المهمة . والأفضل من ذلك كله هو أنه كان لديّ مجموعات عديدة من الأصدقاء الجيدين الذين كثيراً ما كنت أراهم .

كان ذلك في عام 1922 ولم أدرك حينها مدى قرب انتهاء حظي الحسن . حينما أعود بالذاكرة لما حدث على مسرح لي بوج باريزان في تلك الليلة ، أدرك أنه كانت هناك علامات تحذيرية فقد ظللت لعدة أشهر أعمل بكد كبير ولا أنام إلا قليلاً ويصيبني الإنهاك أحياناً ، وهذا عبء رهيب على الروح ، واستنزاف للمعنويات غير أني تجاهلته ، وكنت أقول لنفسي : ” إنه إجهاد مؤقت ” وأخرج على المسرح قبل أن تُضاء أنواره وأضغط على نفسي لبث البهجة التي ينتظرها الجمهور .

ورغم ذلك قُدّرَ لهذه الليلة أن تكون مختلفة فأثناء غداء استمر لفترة طويلة مع الأصدقاء ، انغمست بغباء في تناول كم مفرط من الطعام الدسم والشراب ، فأخذت غفوة ، متوقعاً أن أسترد وعيي مرة أخرى قبل موعد رفع الستار ولكن عندما صعدت خشبة المسرح ، ظل عقلي مشتتاً . لم أشعر بهذا الدوار الغريب من قبل ، وحاولت أن أبعده عني بينما كنت في انتظار إشارة البدء لترديد عبارتي الافتتاحية. وعندما جاءت الإشارة بترديد سطوري المعتادة ، أو هكذا ظنت ، ولكن كان واضحاً أن شيئاً ما كان يسير على نحو خاطئ وقد رأيت ذلك في عيني الممثل المصاحب لي .

وعندما رددت عبارته الثانية ، رأيت الاندهاش يتحول إلى خوف وأدركت بفزع أني قد رددت على كلتا عبارتيه بأسطر ليست من الفصل الأول وإنما من الثالث!

حاولت بيأس أن أعود إلى مسار الحوار ولكن عقلي أصبح فجأة مشوشاً – كنت تائهاً بلا أمل – قام الممثل الذي كنت أؤدي معه المشهد بتغطيتي بصورة جميلة وهمس لي بالكلمات الافتتاحية لكل عبارة من عباراتي وكذلك فعل الآخرون في المشاهد التالية ، وانتهت الليلة على نحو ما بهذه الصورة دون أن يلحظ أحد ما حدث سوى القابعين وراء الكواليس .

ضحك بقية الممثلين من هذه الحادثة على اعتبار أنها اضطراب مؤقت وحاولت أن أصدقهم ولكني كنت مهزوزاً بشدة . ماذا لو كانت هذه مجرد بداية؟

فكوني ممثلاً لا يستطيع تذكر جملة قد يعني نهاية حياتي المهنية التي نقلتني من مقاهي مونتمارتر حيث كنت أغني مقابل الطعام ، إلى أرقى مسارح باريس ، وراتب يقدر بآلاف الدولارات أسبوعياً .

في اليوم التالي قمت بمراجعة سطوري مراراً وتكراراً وتدربت على الحوارات والأغاني التي ظللت أحفظها عن ظهر قلب على مدى عام ؛ ولكن عاودتني حالة الذعر في تلك الليلة حاملة معها كابوساً قدر لي أن أعانيه لشهور عدة . كنت عندما أقف على المسرح أجد نفسي غير قادر على التركيز على السطور التي يجب عليّ قولها في التو وبدلاً من هذا ، كان عقلي يندفع نحو تلك السطور التي تقع في سياق آخر لا يزال بعيداً في محاولة منه للتأهب مقدماً فكنت أتردد وأتلعثم ، وذهبت عني السهولة الجميلة التي كانت تعد سمتي البارزة كمغنّ وبعد ذلك تأتي هجمات الدوار حين أرى الأرض ترتفع عالياً لتصطدم بي في دوامة تسبب لي دواراً وكنت أخشى أن أسقط في منتصف أحد المشاهد .

قمت بزيارة المتخصصين واحداً بعد الآخر وكانوا يقولون إنني أعاني إجهاداً عصبياً وقاموا بتجربة الحقن والتدليك الكهربائي والأنظمة الغذائية الخاصة ولم يفلح أي شيء منها . وبدأ الناس في التحدث جهاراً عن أن عروضي آخذه في الانحدار وحاولت تجنب أصدقائي واثقاً من أنهم لا بد أنهم على علم بأن هناك خطأ ما .

ومع تراكم الضغط بداخلي بدا الانهيار العصبي محتوماً وقد حدث وجاء معه اعتقاد بأنني قد انتهيت حقاً .

أمرني الطبيب بالذهاب إلى منتجع في سوجون وهي قرية صغيرة تقع في جنوب غربي فرنسا ، قلت لنفسي إن  عالم ” موريس شيفالييه “قد انهار وليس هناك مكان لتلتئم أجزاؤه معاً مرة أخرى . ولكني كنت أفكر بدون الحكمة والصبر الجميل اللذين يتمتع بهما الطبيب الذكي الأشيب ، الذي كان ينتظرني في سوجون ؛ فبعد النظر في ملفي الموضوع أمامه رسم د. ” روبرت دوبوا ” خطة علاج بسيطة تعتمد على الراحة والاسترخاء .

قلت بسأم : ” لن يحقق هذا أي تحسن فأنا مهزوم ” .

ولكن خلال الأسابيع التالية كنت أقوم بجولات طويلة سيراً على الأقدام بمفردي في شوارع القرية مثلما اقترح عليّ الدكتور . فوجدت نوعاً من السلام والسكينة في جمال الطبيعة التي لم تفارقني أبداً . وأخيراً جاء اليوم الذي أكد لي فيه الدكتور روبرت بأن الضرر الذي أصاب جهازي العصبي قد تم إصلاحه . وقد وددت أن أصدقه ولكن لم أستطع ذلك ؛ فقد بدا أن الاضطراب الداخلي قد انتهى ولكن كنت لا أزال مفتقراً للثقة في نفسي .

ثم حدث في ظهيرة أحد الأيام أن طلب مني الطبيب أن أقوم بتسلية مجموعة صغيرة من الناس في احتفال لهم أثناء قضاء عطلتهم بالقرية . وعندما راودتني فكرة مواجهة جمهور – أي جمهور – شعرت بالدم يغلي في رأسي مما دفعني فجأة للرفض .

فقال لي :  ” أعلم أن بإمكانك فعلها يا ” موريس ” ولكن عليك أن تثبت ذلك لنفسك وهذا مكان جيد لتبدأ منه ” .

كنت مرعوباً فما الضمان أن عقلي لن يتوقف عن العمل مرة أخرى ؟

فقال لي الدكتور ” روبرت ديبوا ” ببطء : ليس هناك أي ضمانات ، ثم واصل حديثه بكلمات ما زال صداها يتردد في سمعي اليوم بوضوح مثلما سمعتها منذ سبعة وثلاثين عاماُ : لا تخف من الخوف .

ولم أتبين ما كان يعنيه إلا بعد أن قام بالتوضيح . فقال : إنك تخشى صعود المسرح مرة أخرى ، لذا تخبر نفسك بأنك قد انتهيت ولكن الخوف ليس سبباً أبداً للانسحاب بل هو مجرد عذر وعندما يواجه الرجل الشجاع الخوف يعترف بوجوده ، ويستمر في طريقه رغم وجوده .

وتوقف لبرهة منتظراً ردي الذي جاء بعد لحظة مرت كالدهر : سأحاول .

عدت إلى غرفتي وأنا أرتجف مما ينتظرني وأمضيت ساعات من العذاب خلال الأيام القليلة التالية في مراجعة كلمات الأغاني التي سأشدو بها . ثم جاء الاختبار الأخير ، حين وقفت بين جناحين على مسرح قاعة الاحتفالات الصغيرة في انتظار لحظة البدء .

ولبرهة وبينما كان الذعر بداخلي يتصاعد كنت أرغب في أ أستدير وأهرب ولكن صدى الكلمات التي قالها لي الطبيب ظل يتردد في أذني : لا تخف من الخوف . وفجأة بدأت فرقة العازفين الهواة في عزف مقطوعتي فتقدمت نحو المسرح وبدات الغناء .

كانت كل كلمة شدوت وتحدثت بها في تلك الليلة تخرج بمعاناة ولكن ذاكرتي لم تخني ولو لمرة واحدة . وعندما توجهت من المسرح إلى الموضع الذي يصدر منه صوت التصفيق الحماسي ، شعرت بمتعة الانتصار تتدفق بداخلي ففي تلك الليلة لم أقهر الخوف وحسب ، بل اعترفت بوجوده ببساطة واستمررت رغماً عنه ونجحت الخطة .

وهكذا أصبح هناك طريق للعودة بعد كل هذا وقلت لنفسي : ربما لن أتمكن من استعادة ثقتي القديمة لأن ما حدث مرة يمكنه أن يحدث مرة أخرى ولكن الآن يمكنني التعايش مع خوفي وكنت عازماً على إثبات هذا .

لم يكن الطريق إلى باريس سهلاً فاخترت أن أبدأه من مدينة ميلون ، التي تبعد بضعة أميال عن العاصمة الفرنسية ، اخترت مسرحاً صغيراً وتعرفت على المدير الذي دهش لرؤيتي وعرضت عليه الغناء لديه مقابل مبلغ زهيد جداً من المال لدرجة أنه ظن أني أمازحه . وعندما اقنعته بأنه بذلك يساعدني على العودة لحياتي العملية وافق ، وبدأت مخططاً يشتمل على تنقلي من مدينة إلى أخرى لعدة أسابيع وكان كل عرض يمثل إجهاداً مؤلماً .

كنت أهمس لنفسي في كل مرة : ” أنت خائف إذن ، ماذا بعد ؟ ” .

وكررت الشيء نفسه عندما كنت في انتظار دوري في الغناء على مسرح جديد رائغ في باريس وكلي رغبة واستعداد أخيراً لمواجهة تحدي الظهور أمام الجمهور الباريسي . وقد أسدل الستار في تلك الليلة على بداية لعالم جديد لي ؛ فقد زلزل التصفيق جنبات المسرح ولبيت طلبات إعادة الغناء حتى لم أعد قادراً على الغناء أكثر من ذلك من فرط الإنهاك وهكذا عاد لي النجاح – الذي كان حليفي ذات يوم ثم فقدته – مرة أخرى .

ومنذ تلك الليلة وعلى مدى أربعة عقود تقريباً استمررت في أداء العمل الذي أحبه وفي التمثيل أمام الجمهور في كل مكان . ومررت بلحظات خوف عديدة لأن ما قاله الطبيب اللطيف الذي يعمل في سوجون كان صحيحاً ، لا توجد ضمانات ولكن شعوري بالخوف لم يعد يدفعني إلى الرغبة في الانسحاب .

كم من مرة شكل فيها الخوف العقبة التي توقفنا عندها جميعاً في مسارنا ؟

إن بإمكاننا رؤية مرادنا وراءه ، ولكننا بدلاً من الاعتراف بخوفنا والمضي قُدُماً في طريقنا رغماً منه ، كثيراً ما نختلق الأعذار ونعود منكسي الرؤوس ولكن تجربتي الخاصة علمتني هذا .

إذا انتظرنا مجيء تلك اللحظة المناسبة التي يكون فيها كل شيء آمناً ومضموناً فقد لا تأتي أبداً وقد لا يتم تسلق الجبال أو الفوز بالسباقات أو تحقيق سعادة دائمة .

” موريس شيفالييه ”

 

فلتكتب عزيزي القارئ النصيحة التي قُدمت لك وكانت بداية الانظلاق في طريق النجاح …

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق