تربية الابناء

ما هو اسلوب النسور في التربية؟

استخدام أسلوب تربية النسور

يُعدّ الإنسان من أبطأ الكائنات الحية وصولاً إلى الاستقلالية عن والديه .

بعض الحشرات مثلاً تكون مستقلة منذ اللحظة الأولى لوجودها بعض الحيوانات تستقل بمجرد أن تفقس عنها البيضة ، وبعضها يحتاج إلى بضع أسابيع أو أشهر ولكني لم أسمع عن أي كائن حي يحتاج إلى بضع ساعات أو أيام حتى يستقل في حين ربما يحتاج بعضها إلى بضعة أسابيع أو أشهر ولكني لم أسمع عن أي كائن حي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستقل عن والديه باستثناء هذا الكائن العجيب المعقد ( الإنسان) .

ولعل السبب الكامن خلف هذا الاختلاف أن الانسان هو الوحيد الذي جعل الله مسؤولية إيصاله إلى الاستقلال في عنق والديه وجعلها محلاً للتكليف في حين تكفل سبحانه – هو الهادي – ببقية الكائنات .

ولذلك نجد أن مختلف الكائنات تستقل وفق أزمنة مقدرة ومحددة ودقيقة كل حسب البرنامج الذي قدّر له .

أما الإنسان فنجد اختلافاً كبيراً في الزمن اللازم له ليستقل ، فينما يستقل بعض الأطفال عن الوالدين في سن مبكرة لا تتجاوز عشر السنوات إلى الأربع عشرة سنة فإن بعضهم الآخر قد لا يستقل حتى العشرين أو الثلاثين سنة ، كما أن بعضاً آخر يبقى معتمداً على والديه إلى أن يفقدهم ، وعندئذً يبحث عن بدائل ليعتمد عليها ، ويبقى معتمداً على الآخرين طوال حياته .

ويمكن أن نلخص دور الوالدين في تدريب أبنائهم على الاستقلالية في أبكر وقت ممكن ، ومن ثم الانسحاب التدريجي من حياتهم مع البقاء بوصفهم مراجع وخبرات يستعين بها الأبناء عند الحاجة .

هذا ما تفعله النسور عادة ، فالنسور تبني أعشاشها على قمم الجبال الشاهقة حيث العواصف والثلوج والأمطار .

عندما يبني النسر عشه الضخم يضع في داخله مجموعة من الحصى والقطع الزجاجية وحينما تولد صغار النسور يوفر لهم الآباء التغذية من طعامهم وحينما يكبر الصغار تبدأ الأم تدريجياً في زيادة مستوى قسوة الحياة في العش شيئاً فشيئاً فيبدأ الصغار بتسلق جوانب العش الضخم هرباً من هذه القسوة ، وأخيراً تزيد الأم من قسوة الحياة في العش إلى أبعد حد فلا تترك لصغارها سوى الصخور والحصى والزجاج ، وهنا يبدأ مفعول الحب القاسي .

فعندما يبلغ الصغار قمة العش ، تدفع الأم واحداً منهم ليندفع بسرعة شديدة إلى أسفل حتى يبدو الأمر كما لو كان سيلقى حتفه على الصخور المدببة ، وفي اللحظة الأخيرة تندفع الأم إلى أسفل وتتلقى صغيرها على ظهرها ثم تكرر الأم هذه العملية إلى أن يتعلم كل الصغار الطيران بأنفسهم وهنا تنتهي وظيفة الأم .

وتلك هي التربية الناجحة أن تنتهي وظيفتك بعد أن تكون قد أعددت أفراداً أسوياء أكفاء ومستعدين لوضع بصمتهم في هذا العالم.

–       هذا ما تفعله النسور غريزياً بهداية الله سبحانة ولكن …. ما الذي يحدث مقابله في عالم الإنسان ؟

–       يولد الطفل ضعيفاً جداً معتمداً على والديه اعتماداً كلياً جسدياً ، ذهنياً ، مادياً وعاطفياً .

–       جسدياً:

لا يقدر الطفل أن يمشي أو يأكل أو يشرب أو حتى يقضي حاجته وحده .

–       ذهنياً:

لا يقدر أن يفكر أو يتخذ قراراً حراً أو يكون له رأي .

–       مادياً:

لا يقدر أن ينتج أو يكسب قوت يومه .

–       عاطفياً:

لا يقدر أن يعيش دون حنان الأبوين وحبهم وتشجيعهم ودعمهم المعنوي له ، حتى إن بعض التجارب التي أجريت على بعض الأطفال الذين توافرت لهم كل وسائل الراحة والتغذية والصحة ولكنهم حرموا من الحنان والحب والقبلات والاحت   ضان قد انتهت بموت كثير منهم بسبب هذا العوز العاطفي .

ومما لا شك فيه أن اعتماد الطفل على أبويه جسدياً وذهنياً ومادياً وعاطفياً في هذه المرحلة من العمر أمر طبيعي ومفهوم ، يبدأ بعده الطفل شيئاً فشيئاً بالاستقلال عن والديه ، وأول ما يستقل به هو الناحية الجسدية حيث يتعلم المشي ويستطيع أن يأكل ويشرب ويقضي حاجته وحده .

ولكن ماذا لو كبر وتجاوز عشر سنوات ولم يستقل جسدياً ؟

بالطبع هذا الطفل لديه (إعاقة جسدية ).

أيضاً يبدأ الطفل شيئاً فشيئاً بالاستقلال ذهنياً عن والديه حيث يصبح له عالمه الذهني الخاص وقراره ورأيه وتعجبه أشياء ويكره أشياء ويقبل ويرفض ويتمرد.

أما إذا لم تحدث هذه الاستقلالية بالتدريج وبقي معتمداً ذهنياً على والديه فهذا يدل على طفل لديه ( إعاقة ذهنية وعقلية ) .

كذلك مع نمو الطفل شيئاً فشيئاً يبدأ باكتساب مهارات معينة وتقوى عضلاته ويمكن أن يصبح قادراً على العمل واكتساب ما يؤمن له رزقه وقوته ولو على الأقل الحد الأدنى فلو أنه اضطر إلى الاعتماد على نفسه فإنه لن يموت جوعاً ، فقد صار قادراً على العمل والكسب ، أما إذا كبر الطفل وبقي غير قادر على الكسب ومعتمداً كلياً على والديه فهو في هذه الحالة لديه ( إعاقة مادية ) .

وأخيراً مع نمو الطفل ونضجه يفترض أن يبدأ بالاستقلال العاطفي عن أبويه فتقل حاجته شيئاً فشيئاُ إلى الدعم والمساندة العاطفية وتنمو قدرته على مواجهة مصاعب الحياة ويشتد عوده ويمتلك الحكمة والمحاكمة التي تعينه على عدم التأثر السلبي بالظروف الخارجية وما يفعله الآخرون وكلمة ما تسعده وأخرى تزعجه وموقف ما ينغص عليه حياته فإن هذا الإنسان لم يستقل عاطفياً ومازال مما يمكن أن نسميه ( إعاقة عاطفية ) .

وهذا الكلام قد يصدم كثيراً من القراء الأعزاء وقد يرفضونه ويقولون : هذا غير صحيح لأن كل إنسان لا بد من أن يتأثر بالمواقف السلبية ولا بد أن ينزعج ولا يمكن لأحد أن يتحكم في مشاعره .

والحقيقة أن بعض من الوالدين مازالوا غير ناضجين بشكلٍ كاف ومازالوا يعانون من إعاقة عاطفية ومزاجية وانفعالية على اختلاف وتفاوت في درجة هذا الإعاقة ونظراً لأن فاقد الشيء لا يعطيه فإن من الصعب جداً على الأهل أن يوصلوا أبنائهم إلى ذلك الاستقلال العاطفي وهم يحملون قدراً لا بأس به من الإعاقة العاطفية .

ولعل سائل يسأل : ما السر الذي يجعل الأهل مع حرصهم الشديد على مصلحة أولادهم ومحبتهم الشديدة لهم ورغبتهم الصادقة في تربيتهم التربية المثلى يقعون في هذا الفخ ؟

فخ استمرار الرغبة في التحكم والسيطرة ومن ثم حرمان الأبناء من حقهم الطبيعي في النمو والنضج والاستقلال التدريجي ، مما يؤدي إلى حدوث إعاقة ذهنية ومادية وعاطفية عند الأبناء ؟

أعتقد السر وراء ذلك هو الطول النسبي لفترة النمو عند الإنسان قياساً إلى بقية الكائنات  فندما يكون الطفل صغيراً يكون خوف الوالدين عليه بالغاً وبالتالي يكون تحكمهم فيه لمدة سنوات وحين يحتاج هذا الابن إلى زيادة تدريجية في الاستقلالية يكون الوالدان قد اعتادا التحكم والسيطرة بحيث صار يعز عليهما أن يفقدا تلكم السلطة .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق