تربية الابناء

هل لديك أُم ؟

للأم فضل كبير للأسرة خاصة والمجتمع كافة، فهي التي تبني وتنشأ أجيالاً تبني المجتمع وتُساعد على عمارته، وهي التي تعطي أطفالها اللبنة الأولى في كيفية الاستمرار في الحياة، بالإضافة إلى مكانتها العظيمة في الإسلام فالجنة تحت أقدام الأمهات.

يعتمد مدى تعمقك في الحياة على مدى رقتك مع الصغار، وعطفك على الكبار ، وتعاطفك مع المكافحين ، وتسامحك مع الضعفاء والأقوياء على حد سواء ، لأنك ستمر يوماً ما بكل هذه المراحل .     جورج واشنطن

في مرحلة المراهقة نحيا عالم مختلف  عن عالم أمهاتنا وهو عالم تنهمك فيه الأمهات في المحيطات الخارجية . وبالطبع كان لكل واحدة منا تقريباً أم ، وكن مصادر إزعاج لا يمكن تجنبه .

واليوم وبينما أقترب من هذا الحد إذ إنني أم لأبنة مراهقة أنظر إلى أمي بعينين مختلفتين وأتمنى أحياناً لو أستطيع إيقاف قطار السنوات وإيقافها عن التقدم في العمر ومنعها من تكرار نفسها .

جلسنا على منضدة المطبخ فيما كانت الشمس ترسم لوحة من الأنوار المختلفة على الأرضية المكسوة بالبلاط وكانت ابنتي ” أسيل ” تجلس بجوار أمي .

سألت أمي مشيرة إلى زوجي ” متى سيحضر ريك “؟

فأجبتها بهدوء : لا أعلم يا أمي ، ولكنه سوف يأتي على العشاء .

فتنهدت ونهضت عن المنضدة فقد كانت هذه هي المرة العاشرة على الأقل التي تسألني فيها هذا السؤال خلال دقائق معدودة .

وبينما كانت أمي وابنتي منشغلتين في لعبة بنك الحظ ، شغلت نفسي في عمل السلطة .

قالت أمي لا تضعي فيها بصلاً ، فأنت تعلمين مدى كره والدك للبصل .

فقلت لها “حسناً يا أمي ” . وأعدت البصل الأخضر في الثلاجة .

قمت بتنظيف  جزرة وقطعتها قطعاً صغيرة وغرزت السكين في الجزرة بقوة أكبر مما ينبغي فسقطت شريحة منها على الأرض .

فذكرتني قائلة : ” لا تضعي في السلطة بصلاً فأنت تعلمين مدى كره والدك للبصل”.

ولم أستطع الرد هذه المرة .

فقط استمررت في التقطيع وظللت أقطع وأمزق وتمنيت لو باستطاعتي تقطيع السنوات وتمزيق علامات التقدم في العمر التي بوجه أمي ويديها .

والعودة إلى أيام دراستي بالمرحلة الثانوية حينما كانت أمي تنتقل من غرفة إلى غرفة وتخلف أثر الشذا ، أي عطر تضعه في ذلك الوقت .

كانت أمي جميلة ولا تزال كذلك وفي الحقيقة لا تزال أمي كما هي في كل شيء كانت عليه ، إلا أنه قد أصابها النسيان قليلاً .

إنني أحاول إقناع نفسي بأن هذا هو كل ما بها ، وأنها إذا ما تمكنت من التركيز بالفعل فلن تكرر كلامها كثيراً فليس بها أي سوء .

قطعت  حافة ثمرة الخيار ، وقمت بدعكها من جهة الساق للتخلص من مرارتها فخرج السائل الأبيض من الجانبين . ألن يكون لطيفاً لو كان بالإمكان معالجة كل المواقف السيئة بهذه السهولة؟

فما عليك سوى قطعها وفركها ، تعلمت هذا من والدتي من بلايين الأمور الأخرى التي علمتني إياها مثل: الطهي ، الحياكة ، ومعاملة الناس ، والضحك ، والتفكير . تعلمت كيف أتصرف بنضج ومتى أتصرف كفتاة صغيرة وتعلمت أيضاً فن تصنيف العواطف .

وتعلمت أنني يجب ألا أخاف حينما تكون أمي بالقرب مني .

إذن ما سبب شعوري بالخوف الآن ؟

تفحصت يدي أمي ، لم تعد أظافرها حمراء لامعة بل مصبوغة بلون وردي فاتح أو عديمة اللون تقريباً وبينما أمعن النظر فيهما كنت أدرك أني لا أنظر إلى هاتين اليدين ن بل استشعرهما وهما يشكلان شبابي ، فتلك هما اليدان اللتان قامتا بتجهيز آلاف الوجبات من أجلي ، ومسحتا عن خدي ملايين الدموع . وهما اليدان اللتان أدخلتا الثقة في كل يوم من أيام حياتي .

أنصرفت عنها وألقيت الخيار في الطبق . ثم خطر لي خاطر: لقد كبرت يداي واصبحتا في حجم يدي أمي في السابق .

وهما اليدان اللتان قامتا بطهي وجبات لم تؤكل ، وقادت السيارة آلاف الأميال وأمسكت بأصابع ابنتي المرتجفة في أول يوم دراسي لها ، ومسحت الدمع عن وجهها .

لقد زال شعوري بالصدمة والهم ، فبإمكاني أن استشعر قبلة أمي التي كانت تطبعها على خدي قبيل النوم ، وتفقدها للنوافذ للتأكد من غلقها ، ثم إلقاءها لقبلة أخرى وهي واقفة عند الباب .

وها أنا ذا قد أصبحت كأمي ألقي القبلة ذاتها على ابنتي باليد ذاتها.

ما زال كل شيء بالخارج كما هو ، فالظلال ما زالت تقع بين الأشجار وتتشكل مثل قطع الأحاجي .

سوف تقف ابنتي ذات يوم موقفي وسوف أجلس حيث تجلس أمي الآن .

ولكن هل سأتذكر حينها ماهية الشعور بكوني أمّاً وابنة ؟

وهل سأسأل السؤال ذاته عدة مرات ؟

اتجهت نحوهما وجلست بين أمي وحفيدتها . وسألتني أمي وهي تريح يدها على المنضدة المجاورة لمنضدتي :” اين ريك ؟” إن المسافة التي تفصلني عنها أقصر بكثير مما كانت عليه عندما كنت مراهقة بل لا تكاد تُرى بالعين المجردة .

وفي تلك اللحظة أعلم أنها تتذكر ربما تكرار كلامها كثيراً ولكنها تتذكر .

فأجبتها بابتسامة ” سوف يأتي ”

فردت عليّ أمي بواحدة من تلك الابتسامات التي تملأ الغمازة وجهها والتي تشبه ابنتي .

وبعد ذلك أرخت كتفيها والتقطت النرد وألقته .

جاني إموس

للأم فضل كبير للأسرة خاصة والمجتمع كافة، فهي التي تبني وتنشأ أجيالاً تبني المجتمع وتُساعد على عمارته، وهي التي تعطي أطفالها اللبنة الأولى في كيفية الاستمرار في الحياة، بالإضافة إلى مكانتها العظيمة في الإسلام فالجنة تحت أقدام الأمهات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق