تطوير ذات

هل للنجاح أسرار؟

لا تخش التقدم ببطء وإنما احذر الوقوف بلا حراك

هل تتوقع أن للنجاح أسرار؟

تحكي لنا بطلة قصتنا في هذا المقال :

كنت آنذاك واحدة ضمن مجموعة من طلاب المعهد المسرحي المولعين بالمسرح بجامعة كاليفورنيا بولاية لوس أنجلوس وكنا نعيش على الآمال والأحلام لا أكثر ، وعندما انتهت الدراسة سافر أحد أساتذتنا لقضاء عطلة في أوروبا ، فقد كان يملك منزلاً بالقرب من مدينة سان دييجو وتم الترتيب لإقامة حفل وداع له . واقُترح أن ينتقل بعضنا من طلاب المعهد للمدينة وأن يروحوا عن ضيوف عشائه بتمثيل مشاهد من مسرحيات كوميدية غنائية .

وافق تسعة منا على الذهاب وقمت أنا وأحد الممثلين الشباب يعمل بروفة على مشهد من مسرحية وكان ذلك هو الجزء الخاص بنا في البرنامج . مرت الأمور على خير مايرام وبدا الضيوف مستمتعين بغنائنا واستمتعنا به نحن أيضاً .

بعد انتهائنا من العرض . أُعلن عن بدء العشاء كنت واقفة عند البوفية حين تحدث إلي رجل لم أره من قبل بطريقة لطيفة وقال إنه معجب بأدائنا ثم سألني عما أنوي تحقيقه في حياتي .

أخبرته بأنني أتمنى أن أذهب يوماً ما إلى نيويورك وأن أبدأ حياة مهنية على المسرح . وعندما سألني عما يحول دون ذلك ، أخبرته بصدق بأنني بالكاد أملك ما يكفي من المال لكي أعود ألى لوس أنجلوس ناهيك عن نيويورك . ربما كان عليّ أن أخبره بأنني وجدتي وأمي وأختي كنا نعيش في رغد يوماً ما ، لكني ام أفعل .

ابتسم الرجل وقال إنه يسعده أن يعيرني ما يكفي من المال لكي أذهب إلى نيويورك وأضاف أن ألف دولار ستكفي حتماً لبدء العمل . حسناً لقد كنت وقتئذٍ ساذجة نوعاً ما ، لكن ليس بهذا القدر من السذاجة ومن ثم رفضت عرضه بطريقة مهذبة ، فغادر المكان ، ولكنه عاد في غضون لحظات وبرفقته سيدة جميلة الوجه وقدمها لي على أنها زوجته ، ثم قدم عرضه للمرة الثانية وقال إنه جاد في عرضه هذا ، وليس لديه سوى ثلاثة شروط :

الشرط الأول : أنني إذا ما حالفني الحظ ونجحت في المشروع فعليّ ن أرد الدين دون فوائد في غضون خمس سنوات .

الشرط الثاني : ألا أكشف عن هويته لأحد .

الشرط الأخير أني إذا ما قبلت عرضه هذا فعليّ أن أمرر المعروف في النهاية بأن أساعد شخصاً آخر يمر بالظروف نفسها عندما أستطيع مساعدته .

طلب مني أن أفكر في العرض وأن أخبره هاتفياً لدى عودتي إلى لوس أنجلوس وأضاف أنه مستعد لتقديم العرض نفسه للممثل الذي شاركني تمثيل من مسرحية معينة قد رآنا فيها وأعطاني رقمه .

وفي اليوم التالي اتصلت بالرقم وأنا نصف مقتنعة بأن الأمر كله مجرد حلم ، فأخبروني بأنني إذا ماقررت قبول الشروط المطروحة يمكنني المجيء صباح يوم الأثنين والحصول على الشيك .

أخبرت والدتي وجدتي بالأمر وأنا لا أزال غير مصدقة وجاء رد فعلهما بما لا يثير الدهشة ، أن حثتاني بقوة على قطع أية صلة لي نهائياً بهذا المتبرع الغامض . لكنني بشكل ما كنت على قناعة بأن هذا الرجل صادق بالأضافة إلى أنني كنت أومن بأن الله يعطيني أنا ” كارول بيرنيت ” دفعة قوية وواضحة وكان من المفترض أن اقبل العرض فقد كنت موجهة وكنت سأندم مدى الحياة لو لم أفعل .

ومع شروق شمس يوم الاثنين كنت أنا ورفيق التمثيل في طريقنا إليه ، حيث قدنا السيارة لمدة ثلاث ساعات وفي تمام التاسعة كنا في مكتب الرجل . كان علينا أن ننتظر نصف ساعة وصدقوني أن تلك كانت أطول نصف ساعة عشتها في حياتي!

لكن سمح لنا بالدخول أخيراً كان صديقنا واضحاً وجاداً وعملياً فذكرنا بالشروط التي أملاها علينا لا سيما شرط عدم الكشف عن هويته ثم طلب من السكرتيرة إحضار الشيكات ولم أر قط في حياتي أصفاراً كثيرة بهذا القدر من الجمال .

وقد حاولنا أن نعبر له عن شكرنا ، لكنه اكتفى بابتسامة وأوصلنا للخارج وبعد أن ركبنا السيارة وبينما لا نزال في حالة ذهول اكتشفنا أننا لا نملك ما يكفي من الوقود للعودة إلى لوس أنجلوس ولا نملك ما يكفي من النقود لشرائه ، فكان علينا أن نذهب إلى أحد البنوك ونقدم أحد الشيكات ، ثم ننتظر حتى يجري موظفو البنك المذهولون اتصالاتهم بمكتب الرجل لكي يتأكدوا من أننا لسنا محتالين دوليين ، لكنهم أخيراً قاموا بصرف قيمة الشيك .

بمجرد الوصول إلى لوس أنجلوس لم أضيع وقتاً فأنفقت قليلاً من المال في زيارة لطبيب الأسنان حيث كنت أعاني من ضرسين محشوين وآخر مقتلع ولم يكن لديّ مايكفي لنفقات الطبيب لأعوام .

بعدها توجهت إلى نيويورك بينما لا تزال تحذيرات عائلتي القلقة ترن في أذني . لم أكن أعرف في هذه المدينة الواسعة إلا شخصاً واحداً وهي فتاة تدعى ” إيليانور إيب ” فاتصلت بها وعرفت أنها تسكن في فندق ما حيث كانت ممثلات المسرح الواعدات يجدن غرفة وطعاماً مقابل ثمانية عشر دولاراً في الأسبوع ، فشاركت ” إيلي ” غرفتها واستقررت بها استعداداً لمعركة البحث عن عمل بمسرح نيويورك وقد واجهت القصة القديمة المعتادة : ليست لديك خبرة؟ ؟

إذن لا مجال للعمل ولكن كيف لك أن تحصل على الخبرة إذا كنت عاجزاً عن الحصول على عمل ؟

بدأت مواردي المالية تقل شيئاً فشيئاً فذهبت للعمل موظفة بغرفة ترك القبعات بأحد المطاعم . ولكن لسوء الحظ كان يرتاد المطعم في معظم الأحيان سيدات لا يرغبن في خلع فبعاتهن او لا يرين سبباً لذلك . ومع ذلك كان بإمكاني أن أحصل على ثلاثين دولاراً في الأسبوع من خلال البقشيش ما يكفي للمعيشة .

أرسلت لي جدتي خطاباً شديد اللهجة تخبرني فيه بأنني إن لم أحصل على وظيفة بالمسرح بحلول الأعياد فمن الأفضل أن أعود إلى مدينتي ومن ثم أخذت أضاعف زياراتي للوكالات المسرحية وأخيراً قال لي أحد الوكلاء في ضجر : ” لم لا تؤدين عرضك أمامنا ؟

لعلك تكفين عن إزعاجنا !

وقد أوحى لي هذا بفكرة وحين رجعت إلى الفندق تحدثت إلى كل أصدقائي العاطلين فإذا كنا بالعمل نملك موهبة حقيقية متفجرة وهو ما كنا واثقين منه ، فلم لا نقوم باستئجار قاعة ، ونرسل الدعوات لجميع الوكلاء والنقاد بالمدينة ونؤدي عرضنا المسرحي في حضورهم ؟

اتفق الجميع على أنها فكرة عظيمة فبدأنا نجمع من كل فرد خمسين سنتاً كل ليلة من أجل استئجار القاعة واضطلع الشباب الموهوبون بمهمة تصميم المناظر وتأليف الموسيقى والأغنيات وتصميم الرقصات وعندما أصبح الفصل الأول من المسرحية جاهزاً قمنا بتمثيله أمام مجلس إدارة الفندق الذين قدموا لنا حيئذٍ بعض المساعدات الإضافية .

وعندما فتح مسرح ” ريهير سال كلوب ريفو ” أبوابه أخيراً وجرى العمل فيه لثلاث ليال ، بدا لنا كأن كل من يعمل بمجال الترفيه في نيويورك متواجد بين الجمهور . وبعد أن أغلق المسرح بيوم ، اتصل بي ثلاثة وكلاء يقدمون لي عروضاً للعمل ومنذ تلك اللحظة انفتحت أمامي كل الأبواب السحرية على مصراعيها ووضعت قدمي على الطريق .

أخبرت الرجل الذي تبرع لي بالساحل الغربي بكل ما أحرزته من تقدم لكني لم أسمع منه سوى القليل جداً فقد كان لايزال مصراً على إخفاء هويته ، ولم يبد أي رغبة في أن يشاركني الأضواء ، أو يحصل على أي قدر من الفضل .

وبعد مضي خمس سنوات من قبولي لقرضه قمت برده إليه ومنذ ذلك الحين لم أنقض عهدي معه بعدم الكشف عن هويته . لم يخبرني قط بأسباب مساعدته إياي على هذا النحو لكن مع مرور السنين استطعت أن أحل لغز هذا الرجل – على الأقل بشكل يرضيني – واثناء ذلك اكتشفت مبدأً روحانياً مؤثراً أعمل به في حياتي .

ذات يوم عثرت على مفتاح حل اللغز عندما كنت اطالع نسخة من أحد كتب التراث القديم وانتقلت إلى الفصل السادس حيث كنت ارغب في رؤية كيفية ترجمة الأقوال الماثورة وفجأة وجدت بعض الأقوال تقفز من الصفحة وكان مفادها :

” إذا تصدقت على محتاج فلا تجهر بصدقتك كما يفعل المراءون …. وغذا اسديت معروفاً إلى أحد فافعله سراً … وسوف يجازيك الله الذي لا تخفى عليه خافية ..”

افعله سراً هكذا نصت الفقرة وفي الحال فكرت في صديقي الكتوم ومنذ تلك اللحظة بدأت أفهم ما فعله هذا الرجل وكيف فعله .

بدأت أدرك أنه حينما قدم لي هذا العرض استخدم المبدأ الروحاني بالتصدق سراً دون سعي منه إلى التفاخر . لقد فعل ما فعل لكي يكون لطيفاً معي بالطبع ، لكنه في الوقت نفسه فعله لأنه كان يعلم أن الخيرات الجزيلة تعود على كل من تمتع بالحكمة الكافية لكي يمارس هذا النوع من العطاء .

إذن تلك هي قصة بداية حياتي المهنية ، وسأظل مدينة بالفضل دائماً لصديقي المجهول . لقد سددت الدين بكل فخر وبكل فخر بقي اسمه سراً لم أفشه . أما عن شرطه بتمرير المعروف إلى الآخرين فهذا سري أنا .

” كارول بيرنت”

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق